الأول: أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا فِي المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا فِي المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات فِي تلك المقاعد ، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا فِي تلك المقاعد ، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط.
الوجه الثاني: فِي الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت ، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أُحد ولكنهم لم يقاتلوا ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك فِي صورة مصعب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد به ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه ، فظننت أنه ملك ، فهذا ما نقوله فِي تقرير هذا الوجه.
إذا عرفت هذا فنقول: نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد ، ثم قال: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة فِي سائر المواضع ، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة} .
القول الثاني: أن هذا الوعد كان يوم بدر ، وهو قول أكثر المفسرين ، واحتجوا على صحته بوجوه.