أنهّم حينما خرجوا ، تخلف المنافقون بقيادة ابن أبَيّ ، إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين. والتمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركا ، ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ومن اليقين ، والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لأنها ستكون مأمونة فِي التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على حماية هذه العقيدة ، فلا يمكن أن يتولى هذا الأمر إلا أناس لهم قلوب ثابتة ، وجأش قوي عند الشدائد ، وهمة دونها زخارف الدنيا كلها.
وبعد ذلك يعالج النفس البشرية فِي أوضاعها البشرية ، فعقائد الإيمان لا تنصب فِي قلوب المسلمين بمجرد إعلان الإيمان ، ولكن كل مناسبة تعطي دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك الأمر العقدي كله. ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع ، فهم نفوس بشرية ، ولكن أنفّذت الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر الله ؟ لقد رجعت الطائفتان.
وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول الأمر وفئة خرجت ثم عادت.
لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس بل ثبتوا إلى نهاية الأمر ، ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من الأمر كالرماة الذين رأوا النصر أولا ، وهؤلاء من الذين ثبتوا ، ما فرّوا أولاً مع ابن أبيّ ، وما كانوا من الطائفة التي همت ، ولكنهم كانوا من الذين ثبتوا. لكنهم عند بريق النصر الأول اشتاقوا للغنائم ، وخالفوا أمر الرسول ، ولنقرأ قوله تعالى:
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]