يريد: أم غيٌّ، وهذه الجملة مبينة لعدم التساوي مزيلةٌ لإبهامه، والمراد بهذه الأمة: جماعةٌ من اليهود، أسلموا كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأضرابهم، كما رواه ابن جرير عن ابن عباس وقال في تفسير الآية: الأمة القائمة: أمة مهتدية قائمةٌ على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.
وهذه الآية حجة على أن دين الله واحدٌ على ألسنة جميع الأنبياء، وأن من أخذه مذعنًا وعمل به مخلصًا، وأمر بمعروفٍ ونهى عن منكر فهو من الصالحين.
واستقامة بعضهم على الحق من دينهم لا ينافي ضياع بعض كتبهم، وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها، ألا ترى أن من يحفظ بعض الأحاديث، ويعمل بما علم، ويستمسك به مخلصًا فيه يقال: إنه قائم بالسنة عاملٌ بالحديث.
والثاني والثالث: ما ذكره بقوله: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} ؛ أي: يقرؤون القرآن ساعات الليل، وهم يصلون التهجد في الليل، وخص السجود بالذكر من بين أركان الصلاة لدلالته على كمال الخضوع، والخشوع، ودلَّت هذه الآية على الترغيب في قيام الليل، وقد جاء في كتاب الله {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ} . وفي الحديث:"يا عبد الله لا تَكَنُ مثلَ فلان كان يقوم الليل فتركه إلى غير ذلك".
114 -وذكر الرابع والخامس بقوله: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ؛ أي: يؤمنون إيمان إذعانٍ بهما على الوجه المقبول عند الله، ومن ثمراتِ ذلك الخشية والخضوع والاستعداد لذلك اليوم لا إيمانًا لا حظَّ لصاحبه منه إلا الغرور والدعوى، كما هو حال سائر اليهود؛ إذ يؤمنون بالله واليوم الآخر لكنه إيمان هو والعدم سواءٌ، لأنهم يقولون: عزيرُ ابن الله، ويكفرون ببعض الرسل، ويصفون اليوم الآخر بخلاف صفته.