يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوهُمَا بِطَانَةً مِنْ دُونِهِمْ، وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَقِيَّةً، حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ آمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا هُمْ خَلَوْا فَصَارُوا فِي خَلَاءٍ حَيْثُ لَا يَرَاهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، عَضُّوا عَلَى مَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنَهُمْ، أَنَامِلَهُمْ، وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِمْ، تَغَيُّظًا مِمَّا بِهِمْ مِنَ الْمَوْجِدَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَسًى عَلَى ظَهْرٍ يُسْنَدُونَ إِلَيْهِ لِمُكَاشَفَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ وَمُنَاجَزَتِهِمُ الْمُحَارَبَةَ.
عَنْ قَتَادَةَ، «إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا آمَنَّا لَيْسَ بِهِمْ إِلَّا مَخَافَةً عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَصَانَعُوهُمْ بِذَلِكَ» {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}
يَقُولُ: «مِمَّا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغَيْظِ وَالْكَرَاهَةِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ لَوْ يَجِدُونَ رِيحًا لَكَانُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَهُمْ كَمَا نَعَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»
وَالْأَنَامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، وَيُقَالُ أَنْمُلَةٌ، وَرُبَّمَا جُمِعَتْ أَنْمُلًا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَوَدُّكُمَا مَا بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي ... وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِيَ الْعَشْرَا
وَهِيَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}