وهذا من أسرار بلاغة التنزيل . فدل التعبير على إفراطهم فِي السرور والحزن . فإذا ساءهم أقل خيرنا ، فغيره أولى ، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت فهم لا يرجى موالاتهم أصلاً . فكيف تتخذونهم بطانة ؟ . قال البقاعي: ولما كان هذا الأمر منكياً غائظاً مؤلماً داواهم بالإشارة إلى النصر بشرط التقوى والصبر فقال: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} أي: تصبروا على ما يبتليكم الله به من الشدائد والمحن والمصائب ، وتثبتوا على الطاعة وتنفوا الاستعانة بهم فِي أموركم ، والالتجاء إلى ولايتهم: {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} لأن المتوكل على الله الصابر على بلائه ، المستعين به لا بغيره: ظافر فِي طلبته ، غالب على خصمه ، محفوظ بحسن كلاءة ربه . والمستعين بغيره: مخذول موكول إلى نفسه ، محروم عن نصرة ربه ، أفاده القاشاني .
وقيل: المراد بنفي الضرر عدم المبالاة به ، لأن المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال ، جريئاً على الخصم . الكيد: الاحتيال على إيقاع الغير فِي مكروه: {إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قرئ بياء الغيبة ، على معنى أنه عالم بما يعملون فِي معاداتكم من الكيد فيعاقبهم عليه . وبتاء الخطاب ، أي: بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهله .
تنبيه مهم:
قال الرازي: إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز ، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه ، وذلك من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان عالماً بكل الأشياء ، قادراً على كل الممكنات ، جاز فِي مجاز اللغة أنه محيط بها ، ومنه قوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20] . انتهى .