الكفر والجرأة على سفك دم أهل الإيمان. وقد كفر كثيرون من هذه الأمة في عصرنا، حكاما ومحكومين، وقتلوا الدعاة إلى الله، وتجاوزوا حدوده، ووقعوا في معاصيه. أيستغرب بعد ذلك أن يغلبهم اليهود في معاركهم، وما غلب اليهود المسلمين، وإنما غلبوا أمثالهم. وإذ ذكر الله منذ قليل أن من أهل الكتاب من يؤمن، وأكثرهم المستمر على الكفر. فالآن يبين فضل الأولين،
بعد أن بين خسران الآخرين قال تعالى: لَيْسُوا سَواءً أي ليسوا
مستوين من سيذكر منهم مع من ذكر. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من آمن منهم بالإسلام أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي: جماعة مستقيمة عادلة. قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبيه. فقائمة هنا بمعنى: مستقيمة. يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم. وآناء الليل:
ساعاته.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ المسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه، لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به، وهؤلاء يبادرون إليها خشية الفوت. وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
أي: وهؤلاء الموصوفون بما وصفوا به من المسلمين، أو من جملة الصالحين، صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم.
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن يحرموا أجره. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا، وهذه بشارة للمتقين بجزيل الثواب.
ثم قال تعالى مخبرا عن الكفرة.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون فيها أبدا، فما أشد هذا العقاب، وما أعد له، لأنهم لو بقوا أبدا لاستمروا على الكفر أبدا.