ثُمَّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ قُلْتُ: فِيهِ أَوْجُهٌ . (أَحَدُهَا) : أَنَّ الصِّرَّ فِي صِفَةِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْبَارِدَةِ فَوَصَفَ بِهَا الْقُرَّةَ بِمَعْنَى"فِيهَا قُرَّةُ صِرٍّ"كَمَا تَقُولُ"بَرْدٌ بَارِدٍ"عَلَى الْمُبَالَغَةِ . (وَالثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ الصِّرُّ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ فَجِيءَ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ (وَالثَّالِثُ) : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [33: 21] وَمِنْ قَوْلِكَ: إِنْ ضَيَّعَنِي فُلَانٌ فَفِي اللهِ كَافٍ وَكَافِلٌ . قَالَ: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي اهـ . وَنَقَلَ اللِّسَانُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ الْآيَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا فِيهَا صِرٌّ أَيْ بَرْدٌ ، وَالثَّانِي فِيهَا تَصْوِيتٌ وَحَرَكَةٌ . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ: فِيهَا صِرٌّ قَالَ: فِيهَا نَارٌ اهـ . يَعْنِي حَرًّا شَدِيدًا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْهُ . وَمِنْ هُنَا أَخَذَ الْجَلَالُ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ الصِّرِّ: حَرٌّ وَبَرْدٌ ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَلِمَةَ الْحَرِّ ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَهْلِكُ الْحَرْثُ بِمُجَرَّدِ إِصَابَتِهِ وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُ الْبَرْدُ فَهُوَ الْمُرَادُ حَتْمًا . أَقُولُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَصْلِ مَادَّةِ الصِّرِّ هَلْ هُوَ الصَّوْتُ أَوِ الشِّدَّةُ ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ الشِّدَّةُ تَكُونُ فِي الصَّوْتِ وَمِنْهُ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [51: 29] كَمَا تَكُونُ فِي الْبَرْدِ ، فَالصِّرُّ هُنَا هُوَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ حَتْمًا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ