بِقَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الْآيَةَ وَمَا هِيَ مِنْ هَذِهِ بِبَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ مُفَسِّرِينَا قَدْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ فَلِذَلِكَ اضْطَرَبُوا فِي الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْوَاقِعِ وَإِزَالَةِ الْإِيهَامِ السَّابِقِ ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَهُ بِإِذْعَانٍ ، وَعَمِلَ فِيهِ بِإِخْلَاصٍ فَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَفِي هَذَا الْعَدْلِ قَطْعٌ لِاحْتِجَاجِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ فِي الْعَمَلِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ - يَعْنِي الْأُسْتَاذُ: أَنَّهُ لَوْلَا مِثْلُ هَذَا النَّصِّ لَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَمَا سَاوَانَا بِغَيْرِنَا مِنَ الْفَاسِقِينَ وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِهِ مُخْلِصُونَ لَهُ - وَفِيهِ اسْتِمَالَةٌ لَهُمْ وَتَنَاهٍ عَنِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْتَرِفُ فِيهَا أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِفَضِيلَةٍ وَلَا مَزِيَّةٍ لِلْآخَرِ ، كَأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ - وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا - تَتَبَدَّلُ حَسَنَاتُهُ