وأما التفسير: فقد ذكرنا معضى (الحبل) عند قوله: {وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103] وبعض المفسرين يذهب إلى أن حبلَ الله ههنا الإسلام؛ يعني إلّا أنْ يُسْلِمُوا. وهذا بعيدة لعطف (حبل الناس) عليه، وإذا أسلموا، استغنوا عن حَبْلِ الناس، ولو أرادَ الله تعالى بالحبلَ الأوَّل: الإسلام، وبالثاني: الذِّمَّة؛ لقالَ: (أو حبل من الناس) ، ولكن الصحيح: أن كلا الحبلين؛ المراد به العهد، والذِّمَّة، والأمان، كما قال ابن عباس يريد: بعهد مِنَ الله، وعهد مِنَ المؤمنين، وإنما ذكر الله تعالى حبلَ الله مع حبل المؤمنين؛ لأن الأمان الذي يأخذونه من المؤمنين، هو بإذن الله تعالى، فهو أمانٌ مِن جهته.
وباقي الآية مشروح في سورة البقرة.
113 -قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَآءً} قال أبو الهيثم: يقال: (فلانٌ وفلانٌ سَواء) ؛ أي: متساويان، و (قوم سَواء) ؛ لأنه مصدر لا يُثَنّى ولا يُجمع. ومضى الكلام في (سواء) في أول سورة البقرة.
قال ابن الأنباري: يريد: ليس أهل الكتاب الذين سبق ذكرُهم وتقدم وصفُهم، سواءً؛ أي: متساوين في دينهم ومذهبهم. ثمّ ابتدأ فقال:
{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} إنقطع الكلامُ عند (سواءً) ، ورفع (الأُمة) بـ (مِنْ) ، وأضمر (الأمَّة) المذمومة؛ لأن القائمة تكفي من التي ليست بقائمة، على مذهب العرب من الاكتفاء بالشيء من ضده، كما قال أبو ذؤيب:
عَصاني إليها القَلْبُ إِنّي لأمرها ... مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟
أراد: أم غيٌّ؟. فاكتفى بالرُّشد مِن غيره.
وقال آخر:
وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا ... أُريدُ الخيرَ أيُّهُما يَلِيني
أراد: أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر.
ويجوز أن يرتفع (الأُمَّة) بـ (سواء) ، ويكون المعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ، وأخرى غيرُ قائمةٍ.
وهذا الذي ذكر ابنُ الأنباري، كُلُّهُ مذهبُ الفرّاء في هذه الآية.