واختار الزَّجَّاج هذا الوجه، فقال: ما بعد الاستثناء ليس من الأول؛ المعنى: أنهم أذلَّاءُ، إلَّا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أُعطوه.
ونَصَرَ محمدُ بن جَرِير هذه الطريقة أيضًا، فقال: إن أهل الكتاب (قد) ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله، أو لم يكونوا على عهد، فلا يخرجون بالاستثناء عن الذِّلة إلى العِزَّة.
قال: وتمام الكلام عند قوله: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} ، ثم قال: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} أراد: لكن قد يعتصمون بحبل من الله، أو قد يُثْقَفُونَ بحبل من الله، وحَبْلٍ مِنَ الناس كما قال: {وَمَا كاَنَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤْمَنًا إِلا خَطأ} [النساء:92] ، فـ (الخَطَأ) وإن كان منصوبًا بما عمل فيِه ما قبل الاستثناء، فليس باستثناء مُتَّصل حتى يَدُلَّ على أنَّ قتلَه خطأ مباحٌ، ولكن معناه: قد يقتله خطأ.
ومَن نَصرَ طريقة أبي العباس، قال: إنَّ عِزَّ المسلمين عِزٌّ لأهلِ الذِّمَةِ؛ لأنَّ أخْذَهم عَهْدَ المسلمين يَحقِنُ دماءَهم، ويمنع فُرُوجَهم وأموالهم عن الاغتنام بالسَّبْي، ثم هذا [العِزُّ] لا يخرجهم عن الذِّلَّة في أنفسهم، فهم على ما وصفهم الله من الذِّلَّة أينما ثقفوا، وإنْ اعتصموا بالذِّمَة.