112 -قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} قد مضى الكلام في معنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ على اليهود، في سورة البقرة.
وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} أي: وُجِدوا، وصُودِفوا. ومضى الكلام في هذا عند قوله: {حَيثُ ثَقفتُمُوهُم} [البقرة: 191] .
وقوله تعالى: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} قال الفرّاء: يقول: (إلَّا أنْ يَعتَصموا بحبل من الله) ، فأضمر ذلك، وأنشد:
رأتني بحَبْلَيْها فَصدّتْ مَخَافَةً ... وفي الحَبْلِ رْوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
قال أراد: أقْبَلْتُ بحبليها.
وقد نُعي هذا عليه، فقيل: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته؛ وذلك أن الموصول لمّا احتاج إلى الصِّلَةِ للبيان عنه، فالحاجة إلى ذِكْرِهِ أشدُّ، وإنَّما يجوز حذفُ الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دَلّ دليل عليه لحُذف مع صلته؛ لأنه معها بمنزلِةِ شيء ٍ واحد. ويجوز حذف الصلة دون الموصول؛ لأن الموصول هو المعتمد عليه، والصلة تبع له؛ لأنها للبيان عنه، فإذا حُذِفَ الموصول وجب حذفُ الصلة معه؛ لأنها تَبَعٌ له.
وقد أخبرني العَرُوضي رحمه الله، عن الأزهري، قال: أخبرني المُنْذِريُّ، عن ثعلب، أنه قال: هذا الذي قاله الفرّاء، بعيدٌ، ولكن المعنى إن شاءَ الله: ضربت عليهم الذِّلَّة أينما ثُقِفُوا؛ أي: بكلِّ مَكان إلّا بموضِع حَبْلٍ مِنَ الله، وهو استثناء مُتَّصل، كما تقول: (ضُرِبت عليهم الذِّلَّة في الأمكنة، إلّا في هذا المكان) ، ثمّ حذف المضافُ.
قال: وقول الشاعر: (رأتني بحبليها) ؛ هو كما تقول: (أنا بالله، وبك) ؛ أي: مُتَمَسِّك. فتكون الباءُ مِن صِلَة(رأتني متمسكًا
بحبليها)، فاكتفى بالرُّؤيَةِ مِن التمسك.
قال الأزهري: والقول، ما قال أبو العباس.
وقال الأخفش: قوله: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} استثناء خارج عن أول الكلام، ومعنى (إلّا) : لكِنْ.