وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ قَوْلُ الْقَائِلِ الْمُرِيدِ أَنْ يَقُولَ: سَوَاءٌ أَقُمْتُ أَمْ قَعَدْتُ، سَوَاءٌ أَقُمْتُ حَتَّى يَقُولَ أَمْ قَعَدْتُ، وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ دُونَ مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ نَحْوَ مَا أُبَالِي أَوْ مَا أَدْرِي، فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ مَا أُبَالِي أَقُمْتُ، وَهُمْ يُرِيدُونَ: مَا أُبَالِي أَقُمْتُ أَمْ قَعَدْتُ، لِاكْتِفَاءِ مَا أُبَالِي بِوَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ فِي مَا أَدْرِي، وَأَبَوُا الْإِجَازَةَ فِي
سَوَاءٍ مِنْ أَجْلِ نُقْصَانِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ، فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيهِهِمْ قَوْلَهُ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ مَذَاهِبَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ، إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنَ الْحَذَفِ مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ فِي الْكَلَامِ مَعَ سَوَاءٍ، وَأَخْطَئُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ، فَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى التَّمَامِ وَالِاكْتِفَاءِ، لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
عَنْ قَتَادَةَ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الْآيَةَ، يَقُولُ: «لَيْسَ كُلُّ الْقَوْمِ هَلَكَ، قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَيْسَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَةُ مُحَمَّدٍ الْقَائِمَةُ بِحَقِّ اللَّهِ سَوَاءً عِنْدَ اللَّهِ
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: قَدْ تَمَّتِ الْقِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {لَيْسُوا سَوَاءً} عَنْ إِخْبَارِ اللَّهِ بِأَمْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنْ مَدْحِ مُؤْمِنِيهِمْ، وَوَصْفِهِمْ بِصِفَتِهِمْ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَيَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} جَمَاعَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَى الْحَقِّ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْأُمَّةِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.