وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} وَقَدْ جُزِمَ قَوْلُهُ: {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ ائْتِنَافًا لِلْكَلَامِ؛ لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيَاتِ قَبْلَهَا بِالنُّونِ، فَأَلْحَقَ هَذِهِ بِهَا، كَمَا قَالَ: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} رَفْعًا، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} إِذْ لَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} أُلْزِمُوا الذِّلَّةَ، وَالذِّلَّةُ: الْفِعْلَةُ مِنَ الذُّلِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ {أَيْنَمَا ثُقِفُوا}
يَعْنِي: حَيْثُمَا لُقُوا، يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: أُلْزِمَ الْيَهُودُ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّلَّةَ أَيْنَمَا كَانُوا مِنَ الْأَرْضِ، وَبِأَيِّ مَكَانٍ كَانُوا مِنْ بِقَاعِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَإِنَّ الْمَجُوسَ لَتُجِبُيهُمُ الْجِزْيَةُ»
وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «أَذَلَّهُمُ اللَّهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَجَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ»
وَأَمَّا الْحَبْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي يَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى أَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَأَمَانٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ عَقْدُهُ قَبْلَ أَنْ يُثْقَفُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.