و {آنَآءَ} جمع"إني"مثلها مثلٍ"أمعاء"جمع"معي". و"آنَآءَ"هي مجموع الأوقات فِي الليل ، وليست فِي"إني"واحد. فهناك مؤمن يقرأ القرآن فِي وقت من الليل ، ومؤمن آخر يقرأ القرآن فِي وقت آخر ، وكأن المؤمنين يقطعون الليل فِي قراءة للقرآن ، والذي يدخل مع ربه فِي مقام الإحسان ، فهو لا يصلي فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ"إنِّي"واحدا ، أي وقتا واحدا ، ولكنه عندما يصلي فِي آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلاة ، وزاد عن المفترض عليه ، وما دام قد زاد عن المفترض ، فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن لأنه يريد أن يدخل فِي مقام الإحسان ، أي أنه وجد ربه أهلا لأن يصلي له أكثر مما افترض عليه ، كأنه قد قال لنفسه: أنت كلفتني يارب بخمس صلوات لكنك يارب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان بالإسلام فقط ، ولكنهم دخلوا بثقلهم ، فصلوا آناء الليل. وأحبوا أن ينطبق عليهم قول الله تعالى:
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 15 - 16]
ما معنى"محسن"؟ إنها وصف للإنسان الذي آمن بربه فعبد الله بأكثر مما افترض تعبدنا الله بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى عشرين مَثَلاً ، ونحن تعبدنا الله بصيام شهر فِي العام ومنا من يصوم فِي كل شهر عددا من الأيام.
العام ومنا من يصوم فِي كل شهر عددا من الأيام.
وتعبدنا بالزكاة بالنصاب ، ومنا من يزيد على النصاب ، وتعبدنا سبحانه بالحج مرة ، ومنا من يزيد عدد مرات الحج. فحين يريد العبد أن يدخل فِي مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده الله به ؛ فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله ، ولكنه يزيد فيما افترضه الله.