ولهذا لما مدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال: ولو آمنوا بما أنزل على محمد، لكان خيرا لهم إذ هم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الرسل كموسى وعيسى، ويكفرون بمحمد، مع أن كتبهم تتضمن البشارة بمحمد وصفته! إلا أن هذا الذم ليس كليا ولا جماعيا شاملا، لذا استطرد الله تعالى فذكر أن بعض أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي ورهطه مؤمنون إيمانا حقا، لكن أكثرهم فاسقون خارجون عن حدود دينهم وكتبهم، متمردون في الكفر، فقليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. ومرة يعبر تعالى بالأكثر كما هنا، وكما في قوله
عن بني إسرائيل: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء 4/ 46] ، وتارة يعبر بالكثير، كما في قوله عن النصارى واليهود: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [المائدة 5/ 66] .
ويكثر الفسق عادة بعد طول الأمد على ظهور الدين، كما قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد 57/ 16] .
ثم أخبر الله تعالى عباده المؤمنين وبشرهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب، فذكر أن هؤلاء الكافرين الفاسقين لن يلحقوا بكم إلا ضررا بسيطا كالسب والهجاء والتوعد باللسان ومحاولة الصد عن دين الله، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص، والطعن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، كما يفعل المبشرون اليوم.
وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم، ولا ينصرون عليكم أبدا ما داموا على فسقهم، ودمتم على خيريتكم بالحفاظ على الأصول الثلاثة، وقد تحققت لسلف أمتنا هذه البشارات الثلاث من أخبار الغيب، فانهزم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ويهود خيبر.