والمعنى: أن هؤلاء الفاسقين لا يقدرون على إيقاع الضرر عليكم، بل غاية جهدهم أن يؤذوكم بالهجو القبيح، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص التي في التوراة، والخوض في النبيّ - صلى الله عليه وسلم - {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ} ؛ أي: وإن يقابلوكم في ميدان القتال {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} ؛ أي: يجعلوا أدبارهم وظهورهم مولى إلى جهتكم، وينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشيء ، والمنهزم من شأنه أن يحول ظهره إلى جهة مقاتله، ويستدبره في هربه منه، فيكون قفاه إلى وجه من انهزم منه {ثُمَّ} بعد انهزامهم من قتالكم {لَا يُنْصَرُونَ} عليكم أبدًا؛ أي: لا يجدون الشوكة والقوة والنصرة عليكم أبدًا ما داموا على فسقهم ودمتم على خيرتكم، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله.
112 - {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} ؛ أي: جعلت الذلة والصغار والهوان على اليهود، بأن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم، وتسبى ذراريهم، وتملك أراضيهم، وقيل: الذلة ضرب الجزية عليهم؛ لأنها ذلة وصغار، وقيل: ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكًا قاهرًا، ولا رئيسًا معتبرًا، بل هم مستضعفون في جميع البلاد، {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} ؛ أي: حيثما وجدوا وصودفوا؛ فلا يقدرون أن يقوموا مع المؤمنين {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} : أي؛ إلا بعهد من الله، وهو أن يسلموا؛ فتزول عنهم الذلة {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} ؛ أي: أو بعهد من المؤمنين ببذل الجزية، والمعنى: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل الناس، وهو ذمة الله، وعهده، وذمة المسلمين وعهدهم، لا عز لهم أبدًا إلا في هذه الحالة الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من بذل الجزية وإنما سمي العهد حبلًا؛ لأنه سبب يوصل إلى الأمن، وزوال الخوف.