(وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) هذه الحال التي ذكرها الله سبحانه تفصيل لبيان ما تضمنته الجملة السامية من قبل، فإنها تضمنت أن هؤلاء لا يمكن أن يصيبوا المسلمين بضرر بليغ يبقى له أثر، وإنه من تفصيل بعض ذلك أنهم ينهزمون في قتال المسلمين، ومعنى قوله تعالى: (وَإِن يقَاتِلُوكُمْ يوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ) أنهم إن قاتلوا ينهزمون، وعبر عن انهزامهم بتوليهم الأدبار، لأن من ينهزم في ميدان القتال لَا يقابل عدوه بوجهه، ولكنه يطلب النجاة بالفرار، ولسان حاله يقول: النجاء النجاء، والتعبير عن الهزيمة بتوليتهم الأدبار؛ فيه إشارة إلى جبنهم، وأنهم يفرون فرارا أمام خصومهم، وكذلك كان الشأن في قتال المسلمين الأولين للكفار اليهود والنصارى، فقد قاتل المؤمنون بني النضير وبني قريظة ويهود خيبر وغيرهم، وكانوا يفرون فرارا، وقد كتب الله على بعضهم الجلاء، وعلى بعضهم الفناء، وعلى بعضهم البقاء في ذلة، وكذلك كان الشأن مع النصارى بالشام ومصر.
وقد ذكر سبحانه وتعالى أنهم مع انهزامهم في القتال لَا يمكن أن ينتصروا على المؤمنين ما دام المؤمنون على الشرط الذي ذكرناه، ولذا قال سبحانه وتعالى مخبرا: (ثُمَّ لَا ينصَرُونَ) أي أنهم لَا يمكن أن ينصروا أبدا، وهذه الجملة خبرية ليس لها صلة لفظية بالجملة الشرطية، فليست معطوفة على جواب الشرط، فهي إخبار عن نفي الانتصار غير مرتبط بكونه في قتال أو غير قتال، ولقد وضح الزمخشري في الكشاف هذا المعنى أكمل توضيح، فقال: (فإن قلت: هلا جزم
المعطوف في قوله (ثُمَّ لَا يُنصرُونَ) ؟ (قلت) عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل ثم أخبركم أنهم لَا ينصرون، فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ (قلت) لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بقتالهم كتولية الأدبار، فحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتفٍ عنهم النصر والقوة، لَا ينهضون بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر حال بني قريظة، وبني النضير، وبني قينقاع، ويهود خيبر).