وهنا قد يسأل سائل: لماذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؟ ولماذا اقتصر في الإيمان على الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر والحساب والعقاب وغير ذلك مما يوجبه الإيمان، ولا يعد الشخص مؤمنا إلا به؟ ويجاب عن السؤال الأول: بأن ذكر الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر مقدما لبيان أنه مطلوب لذاته، وأنه فضيلة لَا تختلف فيها الأمم ولا الجماعات، فهو كالصدق والعدل والحق تتفق عليها الأفهام وبل ولا يمكن أن يتحقق بنيان جماعة من غير تحققه، وإلا كانت كالذئاب الضارية، أو كانت كالوحوش في الغابة، والإيمان سياج الجماعة وحمايتها من أن تضل، وكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يقوم به بناء الجماعة، والإيمان هو الذي يحميها ويسدد خطاها، فذكر مايقوم به البناء ثم ذكر ما يكون به ذلك البناء في دائرة الفضيلة والأخلاق الكريمة وهو الإيمان، وفي الحقيقة هما متلازمان، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يتبعه إيمان الشذاذ الخارجين، والإيمان الحق بالله تعالى والإذعان لأوامره ونواهيه يتبعه حتما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا هو الجواب عن الجزء الأول من السؤال، أما الجواب عن الجزء الثاني، وهو لماذا اقتصر على ذكر الإيمان بالله؛ فهو أن الإيمان بالله هو لب الإيمان بكل أجزائه وعناصره، فالإيمان بالله هو الإذعان المطلق لقوة غيبية تسيّر هذا الكون وتدبره، وتقوم على كلاءته وحمايته، والإيمان بقوة غيبية يقتضي الإيمان برسالتها للناس، ويقتضي الإيمان بالأرواح الطاهرة المطهرة، والإيمان بأن الله لم يخلق هذه الأشياء عبثا، وإن ذلك يقتضي الإيمان بقدرة الله على الإعادة كما بدأ الخلق بالتكوين، وبأن هنالك يوما آخر فيه الحساب، وإن من يؤمن بالله ولا يؤمن بهذه العناصر كلها لَا يكون مؤمنا بالله حق الإيمان، ولا مذعنا لأحكامه حق الإذعان، ولذا كان أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم بالله، وأنكروا رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع قيام البينات عليها غير مؤمنين، وغير مذعنين للحق الذي ارتضاه الله.