وإن هذه الخيرية التي قدرها سبحانه لهذه الأمة منوطة بتحقيق أمرين أحدهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثاني: الإيمان المطلق بالله والإذعان له وتفويض الأمور إليه بعد الأخذ في الأسباب، واعتقاد أنه لَا قوة في هذا الوجود غير قوته، ولا معبود بحق سواه، ولا خضوع لأحد كائنا من كان غيره تعالت قدرته، فليست الخيرية التي خاطب الله بها المهاجرين والأنصار والذين يتبعونهم؛ لأنهم مسلمون فقط، أو لأشخاصهم وذواتهم، بل لأنهم متصفون
بأوصاف هي علة هذه الخيرية، ومناط تلك الرفعة الإلهية، وتلك الأوصاف هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله تعالى: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْروفِ) موقعها من الإعراب إما أن تكون جملة حالية من ضمير الخطاب، وإما أن تكون كلاما مستأنفا مفصولا، ولذا قال الفخر الرازي في التفسير الكبير:"اعلم أن هذا الكلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه:"أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف؛ فهنا حكم بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ثم ذكر عقيبه علة هذا الحكم"."
هذا، ويصح أن نقول: إن الحكم بالخيرية مبهم، وقد بينه سبحانه بقوله: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْروفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) فالخيرية التي حكم سبحانه وتعالى بها هي هذه الأوصاف، وهذا ينطبق على المثل الذي ساقه الرازي، وهو، فلان كريم: يطعم ويكسو، فإن يطعم ويكسو تفسير لمعنى كرمه، وبيان له، فالاستئناف إذن ليس لأن جملة"تأمرون"علة للخيرية، بل هي بيان للخيرية، ولذلك لَا ينطبق الحكم بالخيرية على من لَا يتصف بهذه الصفات، فالجماعات التي تهمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يكون فيها إيمان، لَا يمكن أن تكون خير أمة، بل لا توصف بالخيرية قط؛ لأنه لَا خير إلا في الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمور إلا بالإيمان وقيام رأى عام مُهذِّب لائم يقوم المعوج، وتنزوي فيه الرذائل انزواء، إذ يقتلها نوره المشرق وشمس الحقيقة الناصعة.