(ثَالِثُهَا) قَدْ عَرَفَ الْمُطَّلِعُونَ عَلَى التَّارِيخِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّطُوا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَا وُجِدُوا ، وَإِنَّمَا ضَعُفَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَكْثَرِهِمْ ، وَهَذَانِ الرُّكْنَانِ هُمَا بَعْدَ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ أَرْكَانِ خَيْرِيَّةِ الْأُمَّةِ ، فَمَا عَرَضَ مِنَ التَّفَرُّقِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْخِلَافِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ زَالَ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ ; لِأَنَّ التَّفَرُّقَ وَالْخِلَافَ لَا يَدُومُ فِي أُمَّةٍ تُقِيمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَوْ بِغَيْرِ
نِظَامٍ ، وَلَوْ كَانَ لَهُمَا نِظَامٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَمَا وَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ . أَلَمْ يَهْدِ لَكَ كَيْفَ كَانَ النَّاسُ يُغْلِظُونَ لِمُعَاوِيَةَ فِي إِنْكَارِ مَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ حَتَّى غَيْرِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ؟