الأخيار ، وأن كثيراً من الأمم المتقدمة كانوا حْيراً من كثير هذه الأمة ؟
قيل: ليس الاعتبار بأشخاص الناس ، وإنما الاعتبار بما
صارت الأمة به أمة ، والشريعة به شريعة ، وقد تقدم أن هذه
الشريعة أفضل الشرائع إذا اعتبرت بها ، على أنه قد قيد
فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) ، أي أنتم خير أمة على هذه
الشريطة لأن قوله: (تَأْمُرُونَ) فِي موضع الحال.
قال ابن عباس ومجاهد وأبو هريرة: كونهم خيرا هو أنه لم
يؤمر نبي قبله بالقتال ، وقهر الناس على الدخول فيما فيه
صلاحهم إلا هذه الأمة ، فإن الله يقودهم بالسلاسل من
الكفر إلى الإِيمان ، وقال غيرهم: لم يكن فِي أمة من الآمرين
بالمعروف ، والناهين عن المنكر أكثر مما فِي هذه الأمة.
إن قيل: لم أخَّر الإِيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
قيل: الإِيمان هاهنا ليس هو الإِقرار بالله فقط ، بل هو الوفاء
بشروطه والقيام بشرائعه ، الذي هو تمام الإِيمان وكماله
على ما ذكرناه فيما تقدم ، وقال: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
فقابل به المؤمنين ، لأن الفسق أعم من الكفر ، فبيّن أن
المؤمنين المخلصين قليل جدًّا ، وأن أكثرهم فاسق: إما كافر.
وإما منافق.
قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ(111)
قال ابن عباس والحسن: عنى بالأذى الكلام المؤذي.
وجعل بعضهم الآية مخصوصة
في بني قريظة ، قال: ووحد المخبر على ما أخبر به تعالى ، وجعلها
بعضهم عامة ، وقال: إن كان ما ينال المؤمنين من الكفار كلاما
كان أو قتالاً فهو أذى عارض (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، كما
قال فِي غير موضع.
وقوله: (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) لم يجزمه ، لأنه إذا جُعِلَ جواباً اقتضى أن النصرة عنهم ممنوعة فِي حال المقابلة فقط ،
وإذا رُفِعَ اقتضى أنهم ممنوعون عنها فِي كل حال.