{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]
إن المؤمن يفعل العمل الصالح ، ويعلن أنه يفعل ذلك لأنه من المسلمين ، إنه لا يفعل الخير ، لأنه شيوعي ، أو وجودي ، أو إنساني إلخ ، فمهما صنع إنسان من الخير ، وترك الاعتراف بالله فخيانة الكفر تفسد كل عمل. لأنه جحد وأنكر خالقه وكفر به ، والذي يعمل خيرا من أجل أحدٍ فلينل من هذا الأحد جزاء هذا العمل.
وهنا فِي هذه الآية, أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، وإيمان بالله. ولكن ما الذي يجعلهم لا يؤمنون بالله وإن عملوا معروفا ؟ إنه حرصهم على الجاه الزائف ، فلمّا جاء الإسلام ، ظن أهل الجاه فِي الديانات الأخرى أن الإسلام سيسلبهم الجاه والسلطة والمكانة والمنافع التي كانوا يحصلون عليها ، وكان من حماقة بعضهم أن باعوا الجنة على الأرض وخافوا على المركز والجاه والمنافع ، وكان ذلك من قلة الفطنة ، فالحق يقول:
{وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]
فلو آمنوا لظل لهم الجاه والسلطة فِي ضوء الإيمان بالله ، فلا تجارة بالدين ، وكانوا سيحصلون على أجرهم مرتين ، أجر فِي الدنيا ، وأجر فِي الآخرة ، أو أجر على إيمانهم بنبيهم ، وأجر آخر لإيمانهم برسول الله ، ولكن هل معنى هذا القول أن أهل الكتاب لم يؤمنوا ؟ لا ، إن بعضهم قد آمن ، فالحق سبحانه وتعالى يؤرخ لهم تأريخا حقيقيا فيقول سبحانه: {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} وكان القياس أن يأتي وصف بعضهم بالإيمان ، وأن يكون غيرهم من أبناء ملتهم كافرين ، لأن الإيمان يقابله الكفر ، لكن الحق يحدد المعنى المناسب لفعلهم فيقول: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .