ومع أن بوذا وصَّى ونصح وشجع على الزهد فإنه لم
يتجهم للنعيم، فقد جاءه غني واسع الغنى يستمْتيه: أنزوله
عن ثروته وجاهه وسلطانه أفضل أم عيشة الزهاد
الناسكين الذين تجردوا من الدنيا واتخذوا فراشهم الأرض
وغطاءهم السماء؟ فأجابه:"فِي وسع كل إنسان أن يتقلب في"
نعيم الحياة الفاضلة إذا عف قلبه ولسانه ويده، وإن من لم
يستعبده الشغف إلى الثروة والحرص والكنز إذا ملكها
وأنفقها فِي وجوه البر والخير والصلاح فإنه يكون نعمة
وخيراً وبركة على مواطنيه"."
ومما لا شك فيه أن بوذا من الناحية الإنسانية إنسان
كبير قلَّ فِي الناس من يدانيه إنسانية، ومن الناحية
الاجتماعية مصلح اجتماعي أراد الخير وعمل على صلاح
المجتمع ونقائه، وكان هو نفسه آية فِي حسن السلوك، أما
من ناحية العقيدة فقد انتهى إلى الإلحاد، فما آمن ببراهما
وغيره من آلهة الناس، بل كفر بها.
وأثَّر بوذا بشخصيته وخلائقه ووصاياه ودعوته في
كثير من الشعوب والمجتمعات والأفراد منذ وجوده حتى
اليوم، فهو فِي الهندوكية - وهي الديانة البرأهمية - من
الأخيار، بل رفعته إلى مقام الأعلياء النوادر الأليْ حلت
فيهم روح الإله"فشنو"الإله المنقذ فِي الديانة البرأهمية،
وفيها الأقنوم الثاني من الثالوث البراهمي المقدس، وعدَّه
بعض القديسين المسيحيين النصارى قديساً عظيما.
وقال فيه شوبنهاور الفيلسوف الألاني فِي كتابه"العالم"
إرادة وفكرة:"إن للبوذية المكانة السامية بين"
الأديان"."
هذه خلاصة وافية عن بوذا والبوذية عرضناها في
أمانة، ولم نُبد فيها رأي الإسلام وإن كان الإسلام يقدر
حق القدر من أحب مكارم الأخلاق، واتصف بها دون
النظر إلى دينه، فقد كانت ابنة حاتم الطائي الجواد
الأريحي العربي الذي ذهب مثلاً فِي الكرم فِي أسر المسلمين
فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاقها من الأسر
وقال ما معناه:"كان أبوها يحب مكارم الأخلاق".