فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 85708 من 466147

والثاني: ضرب جدت الشرائع في هدمه ومحوه، وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشؤون الحياة، وهاك مثلًا يتضح لك به ما تقدم. قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة، وما كان في ذلك من حرج، فمالكٌ نشأ في المدينة، ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب فقال: إن عمل أهلها أصل من أصول الدين؛ لأنهم لقرب عهدهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل. وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق؛ فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة، ولو اجتمع هذان الإمامان. لعذر كل منها صاحبه فيما رأى؛ لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص لله تعالى، وإرادة الخير والطاعة لأمره. ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم، ولم تقلدهم في سيرتهم، وحكموا الرأي والهوى في الدين، وتفرقوا شيعًا كل فريق يتعصب لرأي فيما وقع من أوجه الخلاف، ويعادي المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى، وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة، وأن الشافعي ومالكًا أخطآ في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة.

وإذًا فكيف يمضي نحو أربعة عشر قرنًا، ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية! فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل، ويرجعون إلى الصواب فيها!.

وهذا الضرب من الخلاف، وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة، فهوت بعد رفعتها وذلت بعد عزتها وضعفت بعد قوتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت