الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِنَاؤُهُ إِلَّا عَلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ وَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا عَقِبَ قَوْلِهِ: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَإِنَّ مَا قَرَّرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَإِنَاطَةِ الدَّعْوَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأُمَّةٍ قَوِيَّةٍ مُتَّحِدَةٍ هُوَ بَيَانُ السَّبِيلِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْنَا سُلُوكُهَا لِنَمُوتَ مُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الْمُرَادُ بِرَحْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - هُنَا أَثَرُهَا مِنْ نِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ يَكُونُونَ خَالِدِينَ فِي النِّعْمَةِ بِالدُّنْيَا مَا دَامُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي بِهَا ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ; لِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ نِعْمَةٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِي الْأَعْمَالِ .
وَتَرْتِيبُ الْخُلُودِ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ: ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ يُؤْذِنُ بِأَنَّ ابْيِضَاضَ الْوُجُوهِ وَمَا كَانَ سَبَبًا فِيهِ عِلَّةٌ لَهُ ، وَالْمَعْلُومُ يَدُومُ بِدَوَامِ عِلَّتِهِ ، وَأَمَّا أَمْرُ الْخُلُودِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَظْهَرُ .
تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ