هُمُ الظَّالِمُونَ [2: 254] فِي أَوَائِلِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ . فَمِنْ عُرْفِهِ أَنَّ الْمُتَفَرِّقِينَ فِي الدِّينِ يُعَدُّونَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [30: 31 ، 32] وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [6: 159] فَمَنْ تَذَكَّرَ هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي فَهْمِ الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا ، وَلَا يُجِيزُ لِنَفْسِهِ صَرْفَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا لِأَجْلِ مُطَابَقَةِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَرْجِعُ مَسَائِلُ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ عِنْدَهُمْ إِلَى جَحْدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ ثُمَّ كَذَّبَهُ ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ يَعُدُّ الْخُرُوجَ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ الْحَقِيقِيَّةِ بِالْعَمَلِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَقَدْ فَهِمَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ وَلَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَعْظَمِهَا تَحَرِّي الْعَدْلِ وَاجْتِنَابِ الظُّلْمِ (مَثَلًا) فَمَنِ اسْتَرْسَلَ فِي الظُّلْمِ حَتَّى صَارَ صِفَةً لَهُ كَانَ كَافِرًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2: 254] فَإِذَا كَانَ الظَّالِمُونَ كَافِرِينَ فِي عُرْفِهِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْمُتَفَرِّقُونَ الْمُخْتَلِفُونَ كَافِرِينَ ، وَالِاعْتِصَامُ بِالْوَحْدَةِ وَتَرْكُ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِهِ ، بَلْ ذَلِكَ هُوَ أَسَاسُهُ