أصاب أهل الكتاب من الفرقة والتحازب.
قوله: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) أنذرهم مما كان منهم من القتال
والمحاربة في جاهليتهم أن يعودوا إلى ذلك حال غفلتهم، وذكرهم بما فعل أهل
الكتاب من ذلك في بيوتهم.
وقوله جل قوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ...(105)
هذا كله تخويف مما أصاب أولئك وإنذار منه - جلَّ جلالُه - ، فقد
كان من ذلك ما شاء الله، نسأل الله الغفور الرحيم لنا معشر هذه الآمة عصمته
ومعافاته ومغفرته.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع".
وفي أخرى:"حذو القذة بالقذة".
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(53) .
ثم قال جل قوله: (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . يريد - عز وجل - أهل
الكتاب، ولمن عتى وكفر من غيرهم.
ثم قال - عز وجل -: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ(106) ..
أي: في ذلك اليوم هو وقوع الوعيد عليهم بالعذاب العظيم، وإنما تبيض وجوه المؤمنين وتود وجوه الكافرين
يوم يبشر هؤلاء بالجنة وهؤلاء بالنار(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ)أي: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) .
أهل الكتاب كفروا بعد إيمانهم، ومن عتى وكفر من غيرهم: كلّ يذوق من
العذاب على مقدار كفرهم، ومن وصف جنايته في الإسلام على نفسه (لَا ظُلْمَ
الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) .
ثم قال جلَّ قوله: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ...(108) .. أي:
بالواجب كونه الواقع، ويكون أيضًا معنى ذلك مع ما تقدم إنه يتلوها عليه بواسطة
الملك بروح القدس إلى قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
كما قال جلَّ قوله: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ) وهذا طريق إنزاله بالملك والروح
القدس عليهما السلام (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) أي: بالكافرين الواقع.