حق غيرهم ، وإياه قصد بقوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) إلى قوله (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) ، وخصّ تركهم النهي عن المنكر دون الأمر بالمعروف ، فإنه أعظم الأمرين إثماً ، وأوكدهما وجوباً ، ففعل المعروف ليس بواجب على كل أحد ، وترك المنكر واجب على كل حال.
ثم إنكار المنكر ثلاثة أضرب:
إنكار باليد ، وإنكار باللسان ، وإنكار بالقلب.
على حسب ما رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده ، فإن لم يستطع"
فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإِيمان"،"
فقيل: إن الأول للسلاطين ، والثاني للعلماء ، والثالث للعوام.
فإن قيل: كيف حثَّ هاهنا على الأمر بالمعروف ،
وقال فِي غيره: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ؟
قيل فِي قوله: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) قولان: أحدهما:
إن ذلك حثٌّ على أن يغيّر الإِنسان على نفسه قبل أن ينكره على
غيره ، وهو خطاب للعامة.
والثاني: ما قال أبو ثعلبة الخشني ، وقد سئل عن هذه الآية فقال:
سألت عنها خبيراً ، لقد سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ،"
فإذا رأيت شحًّا مطاعاً ، وهوى متبعًا ، وإعجاب كل ذي رأي
برأيه ، فعليك نفسك ، ودع عنك العوام"."
وجعل تعالى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم المفلحون ، لأن
من تولى إصلاح نفسه ، ثم صلاح غيره بغاية وسعه ، فقد زكى
نفسه ، وزكى غيره ، وقد قال تعالى فيمن يهذب نفسه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) ، وقد تقدم أن الفلاح الحقيقي هو البقاء الأبدي والنعيم السرمدي.