104 -قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} . الآية. (مِنْ) دخلت لتخص المُخاطَبِين مِن سائر الأجناس، و [ليس المُراد] به التبعيض، [وهذا] كما تقول: (لِفُلان من أولادِهِ جُهْدٌ) ، و (للأمير مِن غِلْمانِهِ عِدَّةٌ) ؛ تريد بذلك: جميعَ أولاد وغلمانه، لا بعضهم. وقد قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] ، ليس يأمرهم باجتناب بعضِ الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان، فإنها رِجْسٌ. ومثله من الشعر، قولُ الأعشى:
أخُو رغائِبَ يُعْطِيها ويُسْأَلُها ... يأبَى الظُّلامَةَ مِنْهُ النّوْفَلُ الزُّفَرُ
وهو النَّوْفَلُ الزُّفَرُ لا بعضه.
وفيه قول آخر، وهو: إنَّ المراد: تخصيص للعلماء والأمراء، والذين هم أعلامٌ، في الأمر بالمعروف، فهو أمر لجماعة من جملة المسلمين، على الكفاية؛ كأنه قيل: لِيَقُمْ بذلك بعضكم، فأيُّ بعضٍ قام به سقط عن الآخر. ولو كان الأمر للجميع على غير الكفاية لم تسقط الفريضةُ بقيام البعض به.
105 -قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} يعني: اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين. ومعنى {تَفَرَّقُوا} ، أي: بالعداوة
وقوله تعالى: {وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ:
أحدها: أن اليهود اختلفوا مِن بعد موسى، فصاروا فِرَقًا، والنصارى اختلفوا من بعد عيسى، فصارت فِرَقًا، فأمر الله عز وجل بالاجتماع على كتابه، وأعلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ فيه، يُفضي بأهله إلى مثل ما أفضى بأهل الكتاب إليه من الكفر.
والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف أهل الكتاب في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.
والثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، وكتابهم جميعًا التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة منهم ليست على شريعة الأخرى.