قَالَ: ثُمَّ إِنَّ كَوْنَ الْقَائِمِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أُمَّةً يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لَهَا رِيَاسَةٌ تُدَبِّرُهَا ; لِأَنَّ أَمْرَ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ رِيَاسَةٍ يَكُونُ مُخْتَلًّا مُعْتَلًّا ، فَكُلُّ كَوْنٍ لَا رِيَاسَةَ فِيهِ فَاسِدٌ ، فَالرَّأْسُ هُوَ مَرْكَزُ تَدْبِيرِ الْبَدَنِ وَتَصْرِيفِ الْأَعْضَاءِ فِي أَعْمَالِهَا ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ رَئِيسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَصْدَرَ النِّظَامِ وَتَوْزِيعِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْعَامِلِينَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجَّهُونَ إِلَى دَعْوَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجَّهُونَ إِلَى إِرْشَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ ، وَمَقَامُ الرِّيَاسَةِ يَخْتَارُ بِالْمُشَاوَرَةِ لِكُلِّ عَمَلٍ وَلِكُلِّ بِلَادٍ مَنْ يَكُونُونَ أَكْفَاءَ لِلْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فِيهَا ; لِتَكُونَ أَعْمَالُهُمْ مُؤَدِّيَةً إِلَى مَقْصِدِ الْأُمَّةِ الْعَامِّ ، فَإِنَّ مِنْ مَعْنَى الْأُمَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلْأَفْرَادِ الَّذِينَ تَتَكَوَّنُ مِنْهُمْ وَحْدَةٌ فِي الْقَصْدِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَسَيْرِهِمْ فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْمَقَاصِدُ فَسَدَ الْعَمَلُ بِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَتَنْكِيثِ الْقُوَى ; وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ .