يَهْتَدِ إِلَى فِقْهِ بَعْضِهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْعِلْمُ مُدَوَّنًا فِي عَهْدِهِمْ فَيُنَبِّهُهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِنَا هَذَا بَيَانُ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ ، وَسَنَعْقِدُ لَهُ فَصْلًا حَافِلًا فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ الَّتِي نُبَيِّنُ فِيهَا فِقْهَ الْقُرْآنِ فِي جُمْلَتِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ - تَعَالَى - .
(8) عِلْمُ السِّيَاسَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا مُجْمَلًا وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا ابْنُ تَيْمِيَةَ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَحْكَامِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ بِحَالِ دُوَلِ الْعَصْرِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ وَالْمُعَاهَدَاتِ وَمَا لَهَا مِنْ طُرُقِ الِاسْتِعْمَارِ . فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُؤَلِّفُ لِلدَّعْوَةِ فِي بِلَادٍ غَيْرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَقِلَّةِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَارِفَةً بِسِيَاسَةِ حُكُومَةِ تِلْكَ الْبِلَادِ ، وَهَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ حَالِ مَنْ تُوَجَّهُ إِلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ ، وَالسِّيَاسَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ .