وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّنَا نَرَى التَّصَدِّيَ لِنَصِيحَةِ الْأَفْرَادِ وَأَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ مَجْلَبَةً لِلْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ ، لَا دَاعِيَةً إِلَى الْوِفَاقِ وَالْوَحْدَةِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ وَأَجَابَ عَنْهَا ، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: كَيْفَ يَكُونُ التَّآمُرُ وَالتَّنَاهِي حَافِظًا لِلْوَحْدَةِ وَنَحْنُ نَرَى الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ ؟ نَرَى التَّنَاصُحَ سَبَبُ التَّخَاصُمِ وَالتَّدَابُرِ حَتَّى صَارَ مِنْ أَعْسَرِ الْأُمُورِ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَالْأَصْحَابِ
أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: إِنَّكَ فَعَلْتَ كَذَا وَهُوَ مُنْكِرٌ فَارْجِعْ عَنْهُ ، أَوْ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ فَائْتِهِ ، وَذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ صَارَ يَجِدُّ مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا - حَتَّى مَعَ مَنْ يَعُدُّهُ صَنِيعَةً لَهُ أَوْ وَلَدًا أَوْ أَخًا - أَنْ يَنْصَحَهُ فِي الْأَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ خَشْيَةَ أَنْ يَنْفِرَ وَبِحَمْلِهِ ذَلِكَ عَلَى قَطْعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الرَّابِطَةِ . قَالَ: فَكَأَنَّ النُّصْحَ لَهُمْ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي لَا يُوجَدُ لَهَا إِلَّا فَرْدٌ وَاحِدٌ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لِهَذَا النُّفُورِ مِنَ النُّصْحِ يَسْلُكُ مَعَ أَصْحَابِهِ وَالْمُتَّصِلِينَ بِهِ مَسْلَكَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْغَالِبِ . وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ حُجَّةً عَلَى اللهِ وَلَا شُبْهَةً عَلَى دِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْتَهَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْأُمَمُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْخَيْرِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ .