قال الله عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} .
فدل ذلك على أن سبيل المرء أن يصلح نفسه أولاً ويقومها، ثم يقبل على إصلاح غيره وتقويمه.
قيل لبعضهم: ألا تذكر؟ فقال: ما أنا عن نفسي براض ما يفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على أنفسهم.
وأيضاً كل واحد من الذي يحابي ويداهن، والذي يتعاطى المنكر بنفسه، مستحق لأن يؤمر بغير ما هو عليه، ونهي عما هو عليه.
فكيف يجوز أن يأمر غيره بشيء أو ينهي عن شيء ؟
ذكر أنس رضي الله عنه: أن جبريل عليه السلام عرج بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فمر بقوم تقرض شفاهم بالمقاريض، فقال: «من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون» .
وقال - صلى الله عليه وسلّم -: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتنذلق النار بطنه، فيدور بها (كما يدور) الحمار بالرحى.
فيقال: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أنتهي، وأنهي عن المنكر وآتيه».
فإن قيل: فالسلطان أن يكون ممن يتعاطى الفواحش أيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟
قيل: نعم لأن السلطنة هي هذا.
فلو انقطعت يده عنه لم يكن سلطاناً وليس من دونه في هذا مثله، لأن القيام بهذا الأمر إنما يصير له عند إمساك السلطان لعلمه وصلاحه، فإذا أخل صلاحه، فقد صار مستحقاً للتغاضي عليه، ولا يكون مع ذلك معتزاً على غيره، وإنما ينبغي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا ظهر المنكر ألا يصار للأسماع، ورفع المتعاطى قناع الحشمة.
فأما إذا كان يستره ويجتهد في أن لا يوقف عليه، فإنه لا يهتك ستره.
وإن أجرى ذكر ذلك المنكر بمشهده، ووصف ما فيه من عظيم الإثم من غير أن يخاطب فيه بشيء فيسمعه، فعسى أن يتيقظ فذلك حسن.
وإن أرسل إليه على لسان من يرى أنه لا يخفي أمره عنه ووعظ سراً، فذلك أيضاً حسن.
ومما جاء في النهي عن المنكر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «لا يحقرن أحدكم نفسه إن يرى أمر الله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له: ما منعك أن تقول في كذا وكذا.
فيقول مخافة الناس.
قال: فإياي كنت أحق أن تخاف».