رابعها: أن لا يصل إليه الحديث أصلاً، مثاله: ما أخرجه مسلم أن ابن عمر كان بأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فسمعت عائشة رضي الله عنها بذلك فقالت:"يا عجباً لابن عمر هذا، يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ( [28] ) أفلا بأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت اغتسل أنا وسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد علي أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات". مثال آخر: ما ذكره الزهري من أنّ هنداً لم تبلغها رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه في المستحاضة ( [29] ) .
وبالجملة اختلف مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنهم التابعون كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثوراً عن كبار الصحابة، كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب، اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن حصين وغيرهما، فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهبُ على حياله، وانتصب في كل بلد إمامٌ مثل: سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة. وبعدهما الزهري، والقاضي يحيى بن سعيد، وربيعة بن عبد الرحمن، وعطاء بن رباح بمكة. وإبراهيم النخعي، والشعبي بالكوفة. والحسن البصري بالبصرة. وطاوس بن كيسان باليمن. ومكحول بالشام. فأظمأ الله أكباداً إلى علومهم، فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستغنى منهم المستفتون، ودارت المسائل بينهم، ورفعت إليهم الأقضية.
أسباب الفرقة بين المسلمين في القرون الماضية
أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الوحدة بين المسلمين على أسس متينة، واستمرت في عهد الخلفاء الراشدين، وفي عهد ملوك بني أمية وملوك بني العباس، وكيف لم يؤثر فيها عصاة الملوك مادامت قلوب أهل الإيمان مطمئنة راضية بحكم الله، نافرة عن حكم الطاغوت.
الأسباب المعنوية: