ومن كراهية الإسلام للفرقة والاختلاف نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالانصراف عن قراءة القرآن إذا خشي من ورائها أن تؤدي إلى الاختلاف، فقد روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه ) ) ( [13] ) ، أي تفرَّقوا وانصرفوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر. فرغم ما هو معلوم لكل مسلم من فضل قراءة القرآن، وأن لقارئه بكل حرف عشر حسنات، لم يأذن بقراءته إذا أدت إلى التنازع والاختلاف، سواء كان الاختلاف في القراءة أو كيفية الأداء، فأمروا أن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، كما ثبت فيما وقع بين عمر وهشام، وبين ابن مسعود وبعض الصحابة وقال: كلاكما محسن.
إن كان الاختلاف في فهم معانيه، فالمعنى: اقرؤا القرآن والزموا الائتلاف على ما دلَّ عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله في الحديث الأخر: (( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ) ) ( [14] ) ، وفي هذه الأحاديث ــ كما قال الحافظ ابن حجر ــ الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف، والنهي عن المراء في القرآن بغير حق ( [15] ) .
لماذا حرص الإسلام على الوحدة والترابط؟
حرص الإسلام على الوحدة والترابط لأن في الاتحاد منافع كثيرة في حياة الأمة لا تخفى على عاقل:
(أ) فالاتحاد يقوي الضعفاء ويزيد الأقوياء قوة على قوتهم فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها، وآلاف اللبنات المتفرقة والمتناثرة ضعيفة بتناثرها وإن بلغت الملايين، ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها لأنها؛ باتحادها مع اللبنات الأخرى في تماسك ونظام، أصبحت قوة أي قوة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف بقوله: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً] وشبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.