هذا وقد أكد القرآن الكريم أن المسلمين ــ وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم ــ أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله شهداء على النّاس، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرسول عليكم شهيداً) [سورة البقرة: 143] ، وأعلن القرآن أن الأخوة الواشجة هي الرباط المقدس بين جماعة المسلمين، وهي العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) [سورة الحجرات: 10] ، وحذَّر القرآن من التفرق أيما تحذير، ومن ذلك قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) [سورة الأنعام: 65] ، فجعل تفريق الأمة شيعاً ــ يذيق بعضها بأس بعض ــ من أنواع العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالناس إذا انحرفوا عن طريقه، ولم يعتبروا بآياته، وقرنها القرآن بالرجم ينزل من فوقهم"كالذي نزل بقوم لوط أو بالخسف يقع من تحت أرجلهم كالذي وقع لقارون" ( [5] ) .
وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) [سورة الأنعام: 159] . جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا في دينهم، وجاء عن غيره أنّها نزلت في أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له، فإنّ الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء ( [6] ) والضلالات، فإن الله تعالى قد برّأ رسول الله صلى الله علي وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ًوالذي أوحينا إليك * وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [سورة الشورى: 13] .
الاتحاد والترابط فريضة دينية