وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] قَالَ: الرِّضَى بِغَيْرِ عِتَابٍ.
وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
هُمْ النَّاسُ وَالدُّنْيَا وَلَا بُدَّ مِنْ قَذًى ... يُلِمُّ بِعَيْنٍ أَوْ يُكَدِّرُ مَشْرَبَا
وَمِنْ قِلَّةِ الْإِنْصَافِ أَنَّك تَبْتَغِي الْمُهَذَّبَ ... فِي الدُّنْيَا وَلَسْت الْمُهَذَّبَا
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
تَوَاصُلُنَا عَلَى الْأَيَّامِ بَاقٍ ... وَلَكِنْ هَجْرُنَا مَطَرُ الرَّبِيعِ
يَرُوعُك صَوْبُهُ لَكِنْ تَرَاهُ ... عَلَى عِلَّاتِهِ دَانِي النُّزُوعِ
مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَلْقَى غِضَابًا ... سِوَى ذُلِّ الْمُطَاعِ عَلَى الْمُطِيعِ
وَأَنْشَدَنِي الْأَزْدِيُّ:
لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ صَدِيقٍ نَبْوَةٌ ... يَنْبُو الْفَتَى وَهُوَ الْجَوَادُ الْخِضْرِمُ
فَإِذَا نَبَا فَاسْتَبْقِهِ وَتَأَنَّهُ ... حَتَّى تَفِيءَ بِهِ وَطَبْعُك أَكْرَمُ
وَأَمَّا الْمَلُولُ وَهُوَ السَّرِيعُ التَّغَيُّرِ، الْوَشِيكُ التَّنَكُّرِ، فَوِدَادُهُ خَطَرٌ وَإِخَاؤُهُ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالَةٍ، وَلَا يَخْلُو مِنْ اسْتِحَالَةٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
إذَا أَنْتَ عَاتَبْت الْمَلُولَ فَإِنَّمَا ... تَخُطُّ عَلَى صُحُفٍ مِنْ الْمَاءِ أَحَرُفَا
وَهَبْهُ ارْعَوى بَعْدَ الْعِتَابِ أَلَمْ تَكُنْ ... مَوَدَّتُهُ طَبْعًا فَصَارَتْ تَكَلُّفَا
وَهُمْ نَوْعَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مَلَلُهُ اسْتِرَاحَةً، ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ إخَائِهِ، فَهَذَا أَسْلَمُ الْمَلَلَيْنِ وَأَقْرَبُ الرَّجُلَيْنِ يُسَامِحُ فِي وَقْتِ اسْتَرَاحَتْهُ وَحِينَ فَتْرَتِهِ، لِيَرْجِعَ إلَى الْحُسْنَى وَيَئُوبَ إلَى الْإِخَاءِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَثَلُ بِمَا نَظَمَهُ الشَّاعِرُ حَيْثُ قَالَ:
وَقَالُوا يَعُودُ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ بَعْدَ مَا ... عَفَتْ مِنْهُ آثَارٌ وَجَفَّتْ مَشَارِعُهْ
فَقُلْت إلَى أَنْ يَرْجِعَ الْمَاءُ عَائِدًا ... وَيُعْشِبَ شَطَّاهُ تَمُوتُ ضَفَادِعُهْ
لَكِنْ لَا يَطْرَحُ حَقَّهُ بِالتَّوَهُّمِ، وَلَا يُسْقِطُ حُرْمَتَهُ بِالظُّنُونِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا مَا حَالَ عَهْدُ أَخِيك يَوْمًا ... وَحَادَ عَنْ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ