ومنها أن الآمر ببناء هذا البيت هو الله الجليل، والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنيانه هو إسماعيل، وهذه فضيلة عظيمة له، وغير ذلك من الآيات، وقد أوضحتها في كتابي (رحلة الصديق إلى البيت العتيق) فليرجع إليه، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
(مقام إبراهيم) يعني الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من كثرة المسح بالأيدي.
وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات وهي جمع، بالمقام وهو فرد، وأجاب بأن المقام جعل وحده بمنزله آيات لقوة شأنه أو بأنه مشتمل على آيات، قال ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأن الإثنين نوع من الجمع، وقال ابن عطية والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالاً لما في حرم الله تعالى من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم.
(ومن دخله كان آمناً) جمله مستأنفة من حيث اللفظ لبيان حكم من أحكام الحرم وهو أن من دخله كان آمناً، ومن حيث المعنى معطوفة على مقام إبراهيم الذي هو مبتدأ محذوف الخبر أي ومنها أمن داخله، ومن شرطية أو موصولة، وبه استدل من قال أن من لجأ إلى الحرم وقد وجب عليه حد من الحدود فإنه لا يقام عليه حتى لا يخرج منه، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه، وخالفه الجمهور، وقالوا تقام عليه الحدود من الحرم، وبه قال الشافعي.
وقد قال جماعة إن الآية خبر في معنى الأمر أي ومن دخله فأمنوه كقوله: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.
أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال كان هذا في الجاهلية كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يطلب، فأما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل.