والاعتصام ، والتفويض ، والتوكل ، والإِسلام - أي الاستسلام -
مترتب بعضها على بعض ، فالاعتصام قبل التفويض.
والتفويض قبل التوكل ، لأن معنى فوضت أمري إلى فلان ، أي
جعلت له الفوض فيه ، ومعنى توكلت عليه: اعتزلت ، وجعلته
المعتمد ، وأما الإِسلام فغايته ما كان من إبراهيم عليه السلام.
حيث قال: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، ولكون الاعتصام
أول منزلة من هذه المنازل.
قال بعض الصوفية: الاعتصام
للمحجوبين (1) ، فأما أهل الحقائق فهم فِي القبضة (2) ، واستبعد
(1) المحجوبون: عند الصوفية هم من احتجبوا عن قرب الله بسبب من
الأسباب. وعند غلاتهم: المحجوبون هم العامة. انظر: مدارج السالكين
(1 282) ، والمعجم الصوفي ص (74) .
(2) لم يبين الراغب رحمه الله قائل ذلك ، ويبدو أنه أحد غلاة الصوفية ، لأن كلامه مخالف لقوله تعالى فِي هذه الآية: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فالله تعالى أثبت له الهداية ، وذاك جعله مع المحجوبين.
غير أن مصادر التصوف التي بين يدي ليس فيها شيء من تنقص تلك المنزلة ، فهذا ابن عربي يفول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) بالانقطاع عما سواه والتمسك بالتوحيد الحقيقي (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إذ الصراط المستقيم ، هو طريق الحق تعالى ، كما قال: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . ثفسير ابن عربي (1/ 122) .
وقال القشيري: إنما يعتصم بالله من وجد العصمة من الله ، فأما من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله ؟ فالهداية منه فِي البداية توجب اعتصامك فِي النهاية ، لا الاعتصام منك يوجب الهداية. لطائف الإِشارات (1/ 277 ، 278) .
أما الهروي فقد قسم منزلة الاعتصام إلى ثلاث مراتب:
قال:"وهو على ثلاث درجات: اعتصام العامة بالخبر ، استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد ، وتعظيم الأمر والنهي ، وتأسيس المعاملة على اليقين والأنصاف."
واعتصام الخاصة: بالانقطاع ، وهو صون الإِرادة قبضا ، وإسبال الخلُق بسطا ، ورفض العلائق عزما ، وهو التمسك بالعروة الوثقى.
واعتصام خاصة الخاصة بالاتصال ، وهو شهود الحق تفريدا ، بعد الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا ، مدارج السالكين (1 498 - 551) . فكلام الهروي هنا يدل على
تعظيم جميع مراتب الاعتصام لمان كان بعضها أفضل من بعض بخلاف كلام من ذكره الراغب ، فإنه غض من شأن تلك المنزلة وجعلها للعوام المحجوبين الذين لم يصلوا إلى مرتبة أهل الحقائق.