إن قيل: لِمَ صار أهل الكتاب يطلق فِي القرآن تارة على سبيل الذم ، وتارة على سبيل المدح ، ولا نجري قولنا: أهل القرآن وأهل السنة هذا المجرى ؟ قيل: الكتاب لما كان قد يراد به ما افتعلوه دون ما أنزل الله نحو: (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) ، وقد يُراد به ما أنزل الله تعالى ، فيكون على سبيل الذّم لأهل الكتاب ، وقد يُراد به ما أنزله الله ، ويكون على سبيل التهكم ، نحو قوله:
(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) فعلى هذا لو قيل: أهل القرآن
وأهل السنة على سبيل الذم والتهكم لجاز ، وقوله: (لِمَ) وإن كان أصله
استفهاماً فالقصد به هاهنا الإِنكار والتنبيه ؛ أن لا جواب لهم ولا عذر.
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99) .
يقال: بغيته كذا أي طلبته له ، وأبغيته أعنته على بُغَائه ، نحو لمسته كذا
وألمسته ، وحملته كذا وأحملته ، والعِوج ما يدرك بالفكر من الاعوجاج.
والعَوج ما يدرك بالطَّرف ، وقوله: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) .
يعني الظلم وما يجري مجراه مما يكون فِي الدنيا ،
ومعناه لا تصُدّوا المؤمنين طالبين لطريقهم الإِعوجاج.
وقوله: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) الشهادة تارة بالعقل نحو (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
أي عارف بعقله ، وتارة بالعقد ، نحو قوله: (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) وتارة بإقامة ذلك ، وقد فُسّر الآية
بثلاثتها ؛ فقد قيل: وأنتم عقلاء تعرفون ذلك بعقولكم.
قيل: وأنتم قد أخذ عليكم العهد بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ)
قيل: وأنتم شهدتم نبوته قبل بعثته ، وكل ذلك مراد فلا تنافي بينها.