وقوله: (وَمَن كفَرَ) قال ابن عباس: من كفر بوجوب الحج عليه ، وعلى هذا ما ورد أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال:"مَنْ إن حج لم يَرجُ ثوابه ، وإن جلس لم يخف عقابه"
وأما من تركه ممن يري وجوبه لم يكن كافرا
وإن كان عاصيا ، وقيل: الكفر كفران: كفر تام ، وهو إنكار
الوحدانية ، أو ما يجري مجراه ، وكفر ناقص ، وهو الإِخلال
ببعض العبادات ، التي هي أركان الدين: كالصلاة والزكاة والحج.
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"من ترك الصلاة فقد كفر"،
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"من مات وعليه حج الإِسلام فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا".
وإنما قال: (غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) تنبيهاً أن قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) ليس لحاجة به ، وإنما ذلك
لحاجتهم ونفعهم ، إذ هو تعالى الغني المطلق ، وغيره وإن استغنى عن شيء
ما فغير غني عنه تعالى فِي شيء من الأحوال ، وهو القائم على كل شيء .
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ(98)
الذي اقتضى مخاطبتهم بهذا إنكارهم نبوة محمد ، ووجوب الحج ، والآيات المقتضية لذلك من الكتب المتقدمة ومن القرآن ، وبين بقوله: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) أنكم تسترون ما لا يستتر ، إذ هو لا يخفى عليه خافية.
إن قيل: لم قال فِي موضع: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) وهاهنا قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) ؟
قيل: الأول استدعاء إلى الحق فجعل خطابهم منه استلانة للقول ، ليكونوا أقرب إلى انقيادهم ، وهاهنا لمّا قصد إلى الغض منهم ذكر (قُلْ) تنبيهاً
أنهم غير مستأهلين أن يخاطبهم بنفسه تعالى ، وإن كان كلا
الخطابين موصلًا على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - .