وكأن القوم قد شكوا أن الفقير الذي تبعد مسافته ، ولا يتمكن من زاد وراحلة هل يلزمه الحج ؟ فراجعوه ، فبيّن - صلى الله عليه وسلم - لهم ذلك ، ولم تتناول الآية العبد ، لأنه لا ملك له فِي قول جُل الفقهاء ، وفي قول بعضهم سيده أولى بما فِي يده ، وله أن يمنعه باتفاق ، وكذا المرأة إذا لم يكن
لها محرم ، هذا قول الفقهاء ، فأما الصوفية فقد قالوا: الزاد
التقوى ، لقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)
والراحلة صحةُ البدن ، وقد عبر عن البدن بذلك فِي قوله:"إن"
المنبّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"."
وقال بعضهم: فيه مع إرادة هذا المعنى تنبيه على معنى أبلغ من ذلك البيت جنة المأوى ،
لقوله: (ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ولما لم يكن للإِنسان
سبيل إلى ذلك إلا بحسن ، عبادته صار ذلك حقّا على الناس.
ولذلك أكَّد لفظه ، وخصّه بما لم يخص به شيئاً من العبادات.
فقال (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) .
وقال بعض الصوفية: فِي الحج إشارات اقتضت تأكيد لفظ الأمر به.
وذاك أن فِي العقد به إشارة إلى معاقدة الولاء المعني بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) ، وبالتلبية إلى الإِجابة له فيما دعا إليه ، وبالتجرد إلى التجرد من
الدنيا ، وأنه عاد كما خرج من بطن أمه ، وبالوقوف إلى الوقوف
ببابه ، وبالسعي إلى السعي إليه ، وبالطواف إلى محلِّ القربة
منه ، قال: ولذلك حقّ على المسلم أن يتغير حاله بعد حجه
عما كان عليه قبل ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"من حج فلم يفسق ولم يرفث كان كيوم ولدته أمه"، يعني لم يفسق ولم يرفث بعد رجوعه من
الحج ، ولم يعن فِي الحج ، فإن ذلك مدلول عليه بقوله: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .