قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) يحمل قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا) ، وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) ،
وقوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) ، وقُرئ (آيَةٍ بَيِّنَةٍ) .
وكأن قارئه نظر إلى لفظ ما أُبدل منه ، وهو مقام إبراهيم ، فلما كان
مفرداً جعل الآية مفردة ، والصحيح ما عليه الكافة ، فالمقام
مصدر ، ويتناول الواحد والجمع ، فإذا اعتبر بالمحسوس فهي
المناسك ، وإذا اعتبر بالمعقول فأفعال إبراهيم المتقدم ذكرها.
قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
السبيل: إمكان الوصول إليه ، كقوله تعالى: (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) والاستطاعة: استدعاء الطاعة ، كان النفس بالقدرة تستدير طاعة الشيء لها ، والقدرة والطاقة ، والاستطاعة والجهد والوسع متقاربة ، وقد
تقدم ذلك ، وقولهم: لا يستطيع كذا. تارة يقال لنفي القدرة.
وتارة لنفي الخفة ، فإن قوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أي
يستثقلونه ، لا لأنهم لا يقدرون عليه ، وتمام استطاعة العبادة
ثلاث: الأول: استطاعة نفسية ، وهي المعرفة بها ، أو التمكن
من معرفتها.
والثاني: استطاعة بدنية ، وهي أن يكون صحيح البدن قادراً على إقامتها. والثالث: استطاعة من خارج ، وهي وجود الآلة التي بها يتمكن من فعلها ، ومتى اجتمعت الثلاثة فقد حصل تمام الاستطاعة.
وإلا فالاستطاعة معدومة أو قاصرة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"الاستطاْعة: الزاد والراحلة"
متناولة للخارجة دون البدنية والنفسيّة ، وخصّها - صلى الله عليه وسلم - بالذكر لما كان معلوماً عندهم أن بافتقاد الأوليين لا يُكلَّف.