قال الفرّاء: وإنْ نويت الاستئناف بـ {مَن} ، كان جزاء، وكان الفعل به بعدها جزمًا، واكتفيتَ بما جاء قبله من جوابه، [والتأويل] فيه: [من استطاع] إلى الحج سبيلًا، فلِلّهِ عليه حِجُّ البيت. فقدم الجوابَ وهو مؤخر في المعنى، على مذهب العرب في التقديم والتأخير.
وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون في موضع رَفْعٍ؛ على الترجمة للناس؛ على معنى: (هُمْ: مَن استطاع إليه سبيلا) .
وأما معنى الاستطاعة في اللغة:
فالاستطاعة مأخوذة مِن: (طاع له الشيء ُ يَطُوعُ) ، و (طاع يُطيع) : إذا انقاد له. يقال: (فَرَس طَوْعُ العِنَانِ) : إذا انقاد لك. و (تطاوع لي الأمرُ) ؛ أي: سهل حتى تمكنت منه. فمعنى قولهم: (استطعت) : استمكنت منه ووجدت السبيلَ إلى فعله؛ لمطاوعته لي وسهولته عَلَيّ. وكلّ من تَوصَّلَ إلى مُرامِهِ، وتمكَّنَ من مطلبه، قالوا: (قد استطاعة، واسْطاعَه) ؛ لانقياد ذلك المطلوب له. والعرب تستعمل لفظ الاستطاعة فيمن يصل إلى مرادهِ مِن غير مباشرة لذلك الفعل؛ كما يقولون: استطاع الأمير فتحَ بلدِ كذا، وإنْ لم يَتَوَلَّ بنفسه، وإنما توصل إليه برجاله وأمواله، فليس كل الاستطاعة بالمباشرة بالأعضاء.
وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد بـ (الاستطاعة) القوة. واختلف الناس في الاستطاعة الموجبة للحج: فالذي عليه الجمهور أن معنى (الاستطاعة) ههنا، هو: القوة. والمستطيع للحج: هو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكَوْنِ على الراحلة، فهذا إذا ملك الزاد والراحلة، لزمه فرضُ الحج بنفسه. وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدَهما سقط فرضُ الحج عنه، فوجودُهُ الزادَ والراحلةَ شرطٌ في
وجوب الحج. وهذا قول عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس،
وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومذهب الشافعي، وابي حنيفة، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاق.