وَأَصَحُّ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَيْسَ مَعَ الْمُفَرِّقِ مَا يُقَاوِمُهَا ألْبَتَّةَ مَعَ تَنَاقُضِهِمْ فِي مِقْدَارِ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيفَاءِ الْحِجَاجِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَيْضًا أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، كَمَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ أبي ذر قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَامًا» وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ فَقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى تَجْدِيدُهُ لَا تَأْسِيسُهُ، وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَآلِهِمَا وَسَلَّمَ بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى، فَالْقُرَى كُلُّهَا تَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْقُرَى، فَيَجِبُ أَلَّا يَكُونَ لَهَا فِي الْقُرَى عَدِيلٌ، فَهِيَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ (الْفَاتِحَةِ) أَنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَدِيلٌ.