فقدم عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فألقى له وسادة محشوة ليفا، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض، فأسلم عدي بن حاتم، وأسلمت أخته سفانة بنت حاتم المتقدم ذكرها، وكانت من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الكريمين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فأما أن أعطي وتمسكي، وأما أن أمسك وتعطي، فإنه لا يبقى على هذا شيء ، فقالت له: منك تعلمت مكارم الأخلاق. قال ابن الأعرابي: كان حاتم الطائي من شعراء الجاهلية، وكان جوادا يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق، وكان إذا أهلّ رجب الذي كانت تعظمه مضر في الجاهلية نحر كل يوم عشرا من الإبل وأطعم الناس، واجتمعوا إليه.
وكان قد تزوج ماوية بنت عفير، وكانت تلومه على إتلاف المال، فلا يلتفت لقولها. وكان لها ابن عم يقال له مالك، فقال لها يوما: ما تصنعين بحاتم، فوالله لئن وجد مالا ليتلفنّه، وإن لم يجد ليتكلّفن ولئن مات ليتركنّ أولادا عالة على قومك. فقالت ماوية: صدقت إنه كذلك.
وكانت النساء يطلّقن الرجال في الجاهلية وكان طلاقهن أن يكن في بيوت من شعر، فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب، وإن كان من قبل المغرب حولته إلى المشرق، وإن كان من قبل اليمن حولته إلى الشام، وإن كان من قبل الشام حولته إلى اليمن، فإذا رأى الرجل ذلك علم إنها طلقته، فلم يأتها، ثم قال لها ابن عمها: طلقي حاتما وأنا أتزوجك، وأنا خير لك منه، وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك، وعلى ولدك. فلم يزل بها حتى طلّقته، فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال حاتم لولده: يا عدي ما ترى ما فعلت أمك؟ فقال: قد رأيت ذلك. قال: فأخذ ابنه وهبط بطن واد، فنزل فيه، فجاءه قوم، فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، وكان عدتهم خمسين فارسا، فضاقت بهم ماوية ذرعا وقالت لجاريتها: اذهبي إلى ابن عمي مالك، وقولي له:
إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا، فأرسل إلينا بشيء نقريهم ولبن نسقيهم، وقالت لها: انظري إلى جبينه وفمه، فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زوره، ولطم رأسه، فأقبلي ودعيه.