ووفد أبو الشمقمق إلى مدينة سابور يريد محمد بن عبد السلام فلما دخلها توجه إلى منزله، فوجده في دار الخراج يطالب، فدخل عليه يتوجع له، فلما رآه محمد قال:
وقد قدمت على رجال طالما ... قدم الرجال عليهم فتموّلوا
أخنى الزمان عليهم فكأنّما ... كانوا بأرض أقفرت فتحوّلوا
فقال أبو الشمقمق:
الجود أفلسهم وأذهب مالهم ... فاليوم إن راموا السماحة يبخلوا
قال: فخلع محمد ثوبه وخاتمه ودفعهما إليه، فكتب بذلك مستوفي الخراج إلى الخليفة، فوقع إلى عامله بإسقاط الخراج عن محمد بن عبد السلام في تلك السنة، وإسقاط ما عليه من البقايا، وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته.
وقال أبو العيناء: حصلت لي ضيقة شديدة، فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت يوما على يحيى بن أكثم القاضي، فقال إن أمير المؤمنين جلس للمظالم، وأخذ القصص، فهل لك في الحضور؟ قلت: نعم، فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين، فلما دخلنا عليه أجلسه وأجلسني، ثم قال: يا أبا العيناء، بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ فأنشدته:
لقد رجوتك دون النّاس كلّهم ... وللرجاء حقوق كلّها تجب
إن لم يكن لي أسباب أعيش بها ... ففي العلا لك أخلاق هي السبب
فقال: يا سلامة انظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين، فقال: بقية من مال. قال: فادفع له منها مائة ألف درهم، وابعث له بمثلها في كل شهر. فلما كان بعد أحد عشر شهرا مات المأمون، فبكى عليه أبو العيناء، حتى تقرّحت أجفانه، فدخل عليه بعض أولاده، فقال:
يا أبتاه بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء، فأنشأ أبو العيناء يقول:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
وكان أحمد بن طولون كثير الصدقة، وكان راتبه منها في الشهر ألف دينار سوى ما يطرأ عليه من نذر أو صلة، وسوى ما يطبخ في دار الصدقة. وكان الموكل بصدقته سليم الخادم، فقال له سليم يوما: أيها الأمير إني أطوف القبائل، وأدق الأبواب لصدقاتك، وإن اليد تمد إليّ، وفيها الحناء، وربما كان فيها الخاتم الذهب والسوار الذهب، أفأعطي أم أرد؟ قال: فأطرق طويلا، ثم قال:
كل يد امتدت إليك فلا تردها.
وقال سلمة بن عياش في جعفر بن سليمان:
وما شمّ أنفي ريح كف شممتها ... من الناس إلّا ريح كفّك أطيب
فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسك ومائة مثقال عنبر.