وشكا سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، موسى شهوات إلى سليمان بن عبد الملك، وقال: قد هجاني يا أمير المؤمنين، فاستحضره سليمان، وقال: لا أم لك أتهجو سعيدا؟ قال يا أمير المؤمنين: أخبرك الخبر عشقت جارية مدنية، وأتيت سعيدا، فقلت إني أحب هذه الجارية وإن مولاتها أعطيت فيها مائتي دينار وقد أتيتك، فقال لي:
بورك فيك، فقال سليمان: ليس هذا موضع بورك فيك.
قال: فأتيت يا أمير المؤمنين سعيد بن خالد، فذكرت له حالي، فقال: يا جارية هاتي مطرفا، فأتته بمطرف خز، فصر لي في كل زاوية مائتي دينار، فخرجت وأنا أقول:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد
ذروه ذروه إنكم قد رقدتموا ... وما هو عن إحسانكم برقود
فقال سليمان: قل ما شئت. وكتب كلثوم بن عمر إلى بعض الكرماء رقعة فيها:
إذا تكرّهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النّوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
فشاطره ماله حتى بعث إليه بنصف خاتمه وفردة نعله.
وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا؟ فقال: بل اجعله ذخرا لي، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسمه بين ذوي الحاجات.
وكان ابن مالك القشيري من الأجواد، قيل أنه أنهب الناس ماله بعكاظ ثلاث مرات، فعاتبه خاله، فقال:
يا خال ذرني وما لي ما فعلت به ... وخذ نصيبك منه إنني مودي
فلن أطيعك إلّا أن تخلّدني ... فانظر بكيدك هل تستطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلا بمكرمة ... ولن أعيش بمال غير محمود
وقال المهلب: عجبت لمن يشتري الممالك بماله كيف لا يشتري الأحرار بفعاله. ونزل بأبي البحتري وهب بن وهب القرشي ضيفا، فسارع عبيده إلى إنزاله وخدموه أحسن خدمة، وفعلوا به كل جميل، فلما همّ بالرحيل لم يقربه أحد منهم وتجنبوه، فأنكر ذلك عليهم، فقالوا: نحن إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعينه على الرحيل.
ووفدت ليلى الأخيلية على الحجاج، فقالت فيه:
إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
فقال: لا تقولي غلام، ولكن قولي همام. يا غلام: