ولما مات معاوية رضي الله تعالى عنه، وفد عبد الله بن جعفر على يزيد ابنه، فقال: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك، فقال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف، فقال يزيد قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. فقال: بأبي وأمي أنت، فقال، ولهذه ألف ألف، فقال: أما أني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال كله من مال المسلمين لرجل واحد، فقال: والله ما أعطيته إلا لجميع أهل المدينة، ثم وكّل به يزيد من صحبه وهو لا يعلم لينظر ما يفعل، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدين.
وخرج رضي الله تعالى عنه وهو والحسنان، وأبو دحية الأنصاري رضي الله تعالى عنهم من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء بمطر، فلجئوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى سكنت السماء، فذبح لهم الأعرابي شاة، فلما ارتحلوا قال عبد الله للأعرابي: إن قدمت المدينة، فسل عنا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة، فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد نسيت أسماءهم، فقالت: سل عن ابن الطيار، فأتى المدينة، فلقي سيدنا الحسن رضي الله تعالى عنه، فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعاتها، ثم أتى الحسين رضي الله تعالى عنه، فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الإبل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، فقال: كفاني أخواني الإبل والشياه، فأمر له بمائة ألف درهم. ثم أتى أبا دحية رضي الله تعالى عنه، فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن ائتني بابلك، فأوقرها لك تمرا. فلم يزل اليسار في عقب الأعرابي من ذلك اليوم.
وقال الحسن والحسين يوما لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما.
إن الله عز وجل عوّدني أن يتفضّل عليّ، وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عني المادة.
وامتدحه نصيب، فأمر له بخيل، وأثاث، ودنانير ودراهم. فقال له رجل: مثل هذا الأسود تعطي له هذا المال؟ فقال: إن كان أسود فإن ثناه أبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟