وعلى أي حال كان سبب النزول، فالكلام - في هذه الآية - مع أهل الكتاب الذين استمسكوا بدينهم، ونازعوا في الإسلام، وأعرضوا عنه .. فبعد أن أخبرهم الله تعالى، أنه أوصى الأنبياءَ بتأييده ونصرته، وأنذر من تولى عنه، ووبخهم الله على إعراضهم، وأنكره عليهم - قال ما معناه:
أيتولى هؤُلاء عن الإسلام إلى أديانهم المحرفة المنسوخة، فيبغون بذلك دينا غير دين الله!! كيف يطلبون غير دينه سبحانه وتعالى، وقد استسلم وخضع له من في السماوات والأرض طائعين وكارهين! فمشيئة الله نافذة فيهم، وَقَدَرُهُ جارٍ عليهم، أحبوا ذلك أم كرهوا.
فالصحيح مستسلم لقدر الله، محبٌّ لما وهبه الله من صحة. والعليل منقاد لقدر الله بمرضه طوعا أو كرها .. وهكذا كل أقدار الله تجري في خلقه، فيخضعون لها، وإن جرت على غير ما يحبون ويشتهون. فما شاءَه الله كان، وما لم يشأه لم يكن. فكيف يتمرد أهل الكتاب على دين هذا الإله القوي الفعال، ويكفرون به، مع أنهم إليه يُرجعون مقهورين، فيحاسبهم على طغيانهم وكفرهم!
ويحتمل أن يكون المراد به: ما يشمل العقلاء وغيرهم، ويكون المعنى: ولمشيئته تعالى، خضع وانقاد جميع الكائنات في السماوات والأرض: طائعة أو مسخرة. كما في قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ..."الآية.
84 - {قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} :